أبي الفرج الأصفهاني

211

الأغاني

وجاء أبو عطاء السنديّ فجلس إلينا ، وقال : مرهبا مرهبا ، هيّاكم اللَّه . فرحّبت به ، وعرضت عليه العشاء ، فقال : لا هاجة لي به ، فقال : أعندكم نبيذ ؟ فأتيناه بنبيذ كان عندنا فشرب حتى احمرّت عيناه ، واسترخت علابيه [ 1 ] ، ثم قلت : يا أبا عطاء ، إنّ إنسانا طرح علينا أبياتا فيها لغز ، ولست أقدر على إجابته البتة ، ومنذ أمس إلى الآن ما يستوي لي منها شيء ، ففرّج عني . قال : هات ، فقلت : أبن لي إن سئلت أبا عطاء يقينا كيف علمك بالمعاني فقال : خبير عالم فاسأل تجدتي بها طبّا وآيات المثاني فقلت : فما اسم حديدة في رأس رمح دوين الكعب ليست بالسّنان ؟ فقال أبو عطاء : هو الزّزّ الذي إن بات ضيفا لصدرك لم تزل لك عولتان قلت : فرّج اللَّه عنك ، تعني الزجّ . وقلت : فما صفراء تدعى أمّ عوف كأن رجيلتيها منجلان ؟ فقال : أردت زرادة وأزنّ زنّا بأنّك ما أردت سوى لساني / قلت : فرّج اللَّه عنك ، وأطال بقاءك ! تريد جرادة ، وأظنّ ظنا . وقلت : أتعرف مسجدا لبني تميم فويق الميل دون بني أبان ؟ فقال : بنو سيطان [ 2 ] دون بني أبان كقرب أبيك من عبد المدان قال حماد : فرأيت عينيه قد احمرّتا ، وعرفت الغضب في وجهه وتخوّفته ، فقلت : يا أبا عطاء ، هذا مقام المستجير بك ، ولك النصف مما أخذته ، قال : فأصدقني ، قال : فأخبرته . فقال لي : أولى لك ! قد سلمت وسلم لك جعلك ، خذه بورك لك فيه ، ولا حاجة لي فيه . فأخذته ، وانقلب يهجو معلَّى بن هبيرة . مدح أبا جعفر فلم يثبه أخبرني الحسن ، قال : حدثنا أحمد بن الحارث ، عن المدائنيّ :

--> [ 1 ] علباء البعير : عصب عنفه ، وجمعه : « علابي » . وعلبى الرجل : ظهرت علابيه كبرا . [ 2 ] أ : « شيطان » ، بالشين ، وفي الشعر والشعراء 743 : أيكم يحتال لأبي عطاء حتى يقول جرادة وزج وشيطان ، فقال حماد الراوية : أنا ، فلم يلبث أن جاء أبو عطاء ، فقال : . . . مرهبا مرهبا ، هياكم اللَّه ، قلنا : ألا تتعشى ؟ قال : قد تأسيت ، فهل عندكم نبيذ ؟ قلنا : نعم ، فأتى بنبيذ ، فشرب حتى استرخت علاييه ، وخذيت أذناه ، فقال حماد الراوية : كيف بصرك باللغز يا أبا عطاء ؟ قال : هن . . . إلى آخر الخبر .